الجاحظ

10

رسائل الجاحظ ( الرسائل السياسية )

صح من أصول التدبير في الدين صح في الدنيا وما فسد هنا فسد هناك « وانما الفرق بين الدين والدنيا اختلاف الدارين من الدنيا والآخرة فقط ، والحكم هاهنا الحكم هناك ، ولولا ذلك ما قامت مملكة ولا ثبتت دولة ولا استقامت سياسة » . والآداب وضعت على أساس الطبائع ، وأهم الطبائع اثنان هما حب المنافع وكره المضار . ويدخل في حب المنافع حب الراحة والدعة والازدياد والعلو والعز والغلبة وما تستلذ الحواس من المناظر والروائح والطعوم والأصوات والملامس . ويدخل في المكاره اضداد هذه . وإذا ترك الناس وطبائعهم انساقوا مع الهوى وابتعدوا عن الفضائل نظرا للانانية المستولية عليهم ، فكان لا بد من وازع أو رادع ، ومن تربية وتأديب . والتأديب يقوم على أصلين هما الترغيب والترهيب . وهذا الأصلان يصلحان في الدين والدنيا لأنهما أصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة كما يقول الجاحظ « فإذا كانوا لم يصلحوا لخالقهم ولم ينقادوا لأمره الا بما وصفت لك من الرغبة ( بالجنة ) والرهبة ( من النار ) ، فاعجز الناس رأيا وأخطأهم تدبيرا ، وأجهلهم بموارد الأمور ومصادرها ، من أمل أو ظن أو رجا ان أحدا من الخلق - فوقه أو دونه أو من نظرائه - يصلح له ضميره ، أو يصح له بخلاف ما دبرهم اللّه عليه ، فيما بينه وبينهم ، فالرغبة والرهبة أصلا كل تدبير وعليهما مدار كل سياسة عظمت أو صغرت » . بيد ان الرهبة والرغبة لا تصلحان الا إذا قرنتا بالعدل . فالعدل هو الأصل الثالث للسياسة . وهو يعني الانصاف والمساواة . يضاف إلى العدل الوعد والوعيد وهو الأصل الرابع في السياسة . وهذا يعني التنفيذ والإثابة على العمل الصالح والعقوبة على العمل الطالح « ليعمل كل عامل على ثقة مما وعده واعده » وتعلق قلوب العباد بالرغبة والرهبة ، ويطرد التدبير وتستقيم السياسة لموافقتهما ما في الفطرة ، وأخذهما بمجامع المصلحة » . ولهذا يوصي الجاحظ القاضي بالتزام العدل في معاملة الناس . كما يوصيه بالجود مع